أحمد بن محمد ابن عربشاه
309
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال : وأريد أن تكون حرمتي موفرة ، وكلمتي معتبرة ومنزلتي على أقرانى مرتفعة ، ومكانتى في الممالك متسعة ؛ بحيث تكون مزيتى ظاهرة ، ومرتبتي لأكفائى باهرة ، وكلامي في محل الإصغاء والقبول متصلا بالنجاح في السؤال والمسؤول . فإن حسن العهد ، وحفظ الود ورعاية الحقوق ، القديمة السابقة ، والخدمة المستمرة المتلاحقة دليل على كمال المروءة والوفاء ونهاية الفتوة والصفاء ؛ لا سيما من الملوك والأكابر في حق خدمهم الأصاغر . ففي الحقيقة رفعة الخادم ، وكمال حرمته من رفعة مخدومه وعزته ، وكل من رفع قدر خدمه وحافظ على حفظ حشمه ، ومنع جانبهم ، ورعى حاضرهم وغائبهم ؛ إنما حفظ أطراف حشمته ، وراعى جانب عظمته وحرمته ، وكل كبير امتهن خدامه ، وأذل جماعته وقوامه ، ولم ينزلهم منازلهم ، ولا عرف فضائلهم وساوى بأواخرهم أوائلهم ؛ فإنما أضاع مكانة نفسه ، ولم يفرق في الفكر بين يومه وغده وأمسه ، وإذا لم يصغ الملك لكلام الوزير ، واستقل بأوضاع ناصحه والمشير ، فابتذله وانتهزه واستقله واحتقره ؛ خصوصا في المجامع والمحافل بين العساكر والجحافل ؛ فأي حرمة تبقى له عند البقية من سائر الخدم والرعية ، وأي مرسوم وكلام يسمع له عند العوام . فيتكدر خاطره ، وتتغير سرائره ، فيدعوه ذلك والعياذ بالله إلى شق العصا إذ صار على باب مخدومه معلقا كالحصى ، وقدره في المكانة ، وقوله في البلاغة صار كالزيف في الصّاغة والفسو في الدباغة ، وناهيك أيها الخبير ما قالته لأمها الزاغة « 1 » ، قال يسار : أخبرني بذلك يا جهينة الأخبار . [ 51 ] [ الزاغة وأمها : ] قال : ذكر أنّ زاغة في بلد مراغة . انتشى : لها فرخه . انتشر لها بين الطيور صرخة ، وكانت ذات بهجة لطيفة ، وصفات ظريفة ، وتربت يتيمة
--> ( 1 ) الزاغة : طائر يشبه الغراب أصغر منه في الحجم .